لواء زغلول لـ " مصر الآن":يكشف كيف تدير مصر تداعيات الحرب
قال اللواء الدكتور أحمد زغلول مساعد رئيس الاستخبارات العسكرية السابق ل " مصر الآن "إنه وفي ضوء ما صرّح به الدكتور م. مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، من أنه (قد يتم اتخاذ إجراءات استثنائية مؤقتة إذا طال أمد الحرب في المنطقة)، تتأكد أهمية القراءة الاستراتيجية المتأنية لهذا التصريح في سياقه الوطني والإقليمي. إن هذا الطرح لا يعكس توجهاً نحو مسار استثنائي دائم، وإنما يُجسد مبدأ الإجراءات الاستباقية والاستعداد المؤسسي لإدارة تداعيات محتملة قد تفرضها تطورات خارجية خارجة عن الإرادة، فالسياسات الرشيدة لا تُبنى على رد الفعل بل على توقّع المخاطر وإعداد البدائل، ومن ثم يأتي هذا التقرير بوصفه تقديراً للموقف يهدف إلى دعم متخذ القرار عبر تحليل السيناريوهات المحتملة ورصد مسارات التأثير واقتراح آليات التعامل مع التداعيات، مع التأكيد على أن قوة الدولة في مثل هذه الظروف ترتكز على تماسك جبهتها الداخلية بقدر ارتكازها على أدواتها الاقتصادية والإدارية.
الإطار العام للمشهد الإقليمي:
وأضاف اللواء زغلول أنه تشير المعطيات الاستراتيجية إلى أن إطالة أمد الحرب في الإقليم، لا سيما إذا اتسعت رقعتها أو طالت الممرات الحيوية للطاقة والتجارة، من شأنها أن تُحدث تأثيرات تتجاوز حدود الأطراف المباشرة للصراع، فالحروب المعاصرة لم تعد صداماً عسكرياً تقليدياً فحسب، بل منظومة تأثير مركبة تشمل أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية والقطاع المالي والاستقرار الاجتماعي. وفي هذا السياق فإن الدولة المصرية، بحكم موقعها الجيوسياسي واعتمادها النسبي على الواردات الاستراتيجية وارتباطها بحركة التجارة العالمية، تُعد عرضة لتداعيات غير مباشرة وإن لم تكن طرفاً في الصراع.
محددات التأثير على الأمن القومي المصري:
يمكن تحديد مسارات التأثير المحتملة في أربعة أبعاد رئيسية، هي كالتالي:
١- البعد الاقتصادي، يتمثل فيما يلي:
– ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً.
– زيادة تكلفة الشحن والتأمين البحري.
-تراجع الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل.
٢- البعد اللوجستي والتجاري، يمكن عرضه على النحو التالي:
– اضطراب سلاسل الإمداد.
– تأخر وصول السلع الوسيطة والمواد الخام.
– تأثر حركة الملاحة العالمية.
٣- البعد المالي والنقدي، ويتمثل فيما يلي:
– تقلبات في تدفقات العملة الأجنبية.
– اضطراب سعر الصرف.
– احتمالات خروج رؤوس أموال قصيرة الأجل.
٤- البعد المجتمعي والنفسي، وتتمثل ملاحمه فيما يلي:
– سلوكيات تخزينية غير رشيدة.
– انتشار الشائعات.
– توترات سعرية داخلية نتيجة توقعات غير واقعية.
وقال السيناريوهات المحتملة للإجراءات الاستثنائية المؤقتة:
(*) السيناريو الأول، – إدارة احترازية محدودة: يُطبق في حال استمرار الحرب دون توسع إقليمي كبير، ويتضمن الآتي:
١. تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية
٢. تشديد الرقابة على الأسواق.
٣. ترشيد في الإنفاق العام.
٤. إجراءات نقدية احترازية لضبط السوق.
(*) السيناريو الثاني، – إدارة ضغوط اقتصادية ممتدة: في حال ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد واستمرار اضطراب التجارة، ويتضمن الآتي:
١. إعادة ترتيب أولويات الموازنة العامة.
٢. برامج ترشيد للطاقة بصورة مؤقتة.
٣. ضبط الواردات غير الضرورية.
٤. تدخلات مباشرة لضبط أسعار السلع الاستراتيجية.
٥. توسيع برامج الحماية الاجتماعية.
(*) السيناريو الثالث، – إدارة أزمة إقليمية واسعة: إذا امتدت الحرب إلى الممرات الحيوية أو أثرت بصورة مباشرة على إمدادات الطاقة، وقد يشمل الآتي:
١. إجراءات تنظيمية لضبط الأسواق.
٢. تنظيم استهلاك بعض السلع لفترات محدودة.
٣. حِزم دعم اجتماعي موسعة.
٤. سياسات مالية ونقدية أكثر انضباطاً لحماية الاستقرار.
فلسفة التدخل الاستثنائي:
تقوم فلسفة الإجراءات المؤقتة على ثلاث ركائز أساسية، وهي:
١- الاستباق لا رد الفعل.
٢- المرونة في التطبيق والرجوع التدريجي بزوال السبب.
٣- تحقيق التوازن بين الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
فالتدخل الاستثنائي ليس غاية في ذاته، بل أداة مرحلية لضمان استدامة النظام الاقتصادي والاجتماعي في الظروف الطارئة.
البعد المجتمعي ودوره في نجاح الإجراءات.
١- الامتناع عن التخزين بدافع القلق: التخزين غير الرشيد يُحدث فجوة مصطنعة بين العرض والطلب، ويؤدي إلى تسارع التضخم ونشوء سوق موازية ويضر بالفئات الأقل دخلاً، وعليه فإن الشراء وفق الحاجة الفعلية يمثل مساهمة مباشرة في حماية الأمن الاقتصادي.
٢- ضبط الخطاب العام: الشائعات الاقتصادية تخلق حالة من التضخم، فإن الالتزام بالمصادر الرسمية وتعزيز الشفافية الإعلامية يمثلان ضرورة استراتيجية.
٣- دعم الفئات الأكثر احتياجاً: التكافل المجتمعي يُعد صمام أمان في مراحل الاضطراب، ويخفف العبء عن شبكات الحماية الرسمية.
توصيات لمتخذ القرار:
١- إنشاء غرفة متابعة اقتصادية تعمل بنظام إنذار مبكر متعدد المصادر.
٢- إصدار تقارير دورية لطمأنة الأسواق وتعزيز الشفافية.
٣- تحديث بيانات المخزون الاستراتيجي بصورة دورية
٤- تفعيل أدوات ردع الاحتكار بصورة حاسمة وسريعة.
٥- توسعة برامج الحماية الاجتماعية طبقاً للظروف.
٦- إدارة خطاب إعلامي استباقي يوازن بين الطمأنة والواقعية.
وأختتم أنه وفي النهاية، يمكن القول إن تصريح رئيس مجلس الوزراء يعكس إدراكاً مبكراً لحساسية المرحلة واستعداداً مؤسسياً لإدارة احتمالات مفتوحة في بيئة إقليمية متغيرة، والإجراءات الاستثنائية المؤقتة التي اقتضتها الضرورة يمكن أن تتحول إلى أداة لتعزيز الانضباط الاقتصادي وترسيخ ثقافة الاستهلاك الرشيد، بشرط أن تُدار بكفاءة وشفافية وبشراكة واعية بين الدولة والمجتمع، ويبقى العامل الحاسم هو تماسك الجبهة الداخلية، فالأمن القومي لا يُصان بالقرارات فحسب بل بوعيٍ جمعيٍ يدرك أن حماية الاستقرار مسؤولية وطنية مشتركة.






